محمد علي الطاهر
 

نبذة ذاتية

>

صفحة ٣٢

الطريق من فلسطين ...

لمّا تبرعــت بريطانيا بعـد احتلالها لفلسطين يتسليم بلاد أناس آخرين أو عـلى الأقل جزء منها إلى مستوطنين جدد جلهم من شعـوب أوروبا الشرقية الذين لا تجمعـهم صلة بشعـوب منطقة الشرق الأوسط ، تصدى أهل فلسطين لتلك الأقوام الجديدة المفروضة عـليهم . لم يكن رفضهم لأن الوافـدين كانوا من أتباع الدين اليهـودي ، بل لأن بريطانيا فرضتهم كمُستوطنين هَمّهم المعـلن حسب عـقيدتهم الصهيونية انتزاع البلاد أو ما يستطيعــون انتزاعـه منها لهم . أما الفلسطينيون العـرب من أتباع العـقيدة اليهـودية الذين كانوا يعـيشون إلى جانب مواطنيهم المسيحيين والمسلمين في البلاد فـلم يشاركـوا في هذا المخطط الصهيوني . فخلافا لعـدد ضئيل من الأفراد بين أعـضاء الـقيادات اليهـودية ، فإن غـالبية المهاجرين الجدد لم يكن في عـلمهم أنه ما يزال هناك يهـود يعـيشون في فلسطين منذ عـهود الرومان!

ما أن حقـقـت بريطانيا التزامها بتحويل فلسطين إلى وطـن قومي لليهود عـن طريق وعــد بالفـور عـام ١٩١٧ ، وبعـد أن أشرفت عـلى تنفيذ مراحل عـملية انتزاع الأرض من الفلسطينيين ، أصبح اعـتراض هؤلاء أكثر دويا . ومع حلول العـشرينات أصبح الفلسطينيون أكثر تنظيما إلى حـد ما وأضحوا يهاجمون المؤسسات والقوات البريطانية وكذلك الأفراد والمستعـمرات اليهـودية عـسكريا . وبطبيعـة الحال فقد قام الأخيرين بالدفاع عـن أنفسهم والرد عـلى الهجمات الفلسطينية . وهكذا اشتعـل مسلسل العـنف الذي لا يزال مستمرا إلى يومنا هذا .

ويجب ألا يغــيب عـن الأذهان أن مسؤولية بريطانيا تاريخيا في كارثة فلسطين إنما هي مسؤولية عـظيمة وأنه يجب عـلى بريطانيا أن تتحمل تلك المسؤولية تجاه شعـب فلسطين نظرا لما تسببته لهم من مصائب باستحلالها لبلادهم ، بل والأنكى من ذلك وهـو تسليم البلاد لأناس آخرين دون "استئذان" أهل فلسطين عـلى أقل تقدير!

كان زعـماء الحركة الصهيونية مثل الدكتور حاييم وايزمان ودافيد بن جوريون يعـرفون معـرفة تامة بأن فلسطين كانت مأهولة وأن الشعـب الفلسطيني سوف يعـترض عـلى مشروع توطين يهود أوروبيين في بلدهم لتأسيس الوطن القومي لليهود . هذا في الوقت الذي فوجىء فيه عـدد كبير من المهاجرين أو المستوطنين الأوروبيين اليهـود بأن البلاد مأهولة وأنها ليست "أرضا بدون شعــب تبحث عـن شعــب بدون أرض"٢١ .  وحتى اليوم هنالك الكثيرين من بين الإسرائيليين الذين ينظرون إلى الفلسطينيين عـلى أساس أنهم "سكان غـير شرعـيين" وغــرباء جاءوا من البلدان المجاورة واستولوا عـلى "أرض الميعـاد"٢٢ بينما كان أصحابها الشرعـيين غـائبين خلال الألفي عـام الأخيرة!

يعــلم الجميع اليـوم بأن أساس الخلاف بين شعب فلسطين واسرائيل ليس خلافا عـلى ديـن أو عقيدة ، باستثناء طبعـا بين الأصوليين الدينيين والمتطرفين في الجانبين . هذا دون أن نغــفـل محتـرفي السياسة مثلهم مثل أقـرانهم في مختلف أنحاء العـالم الذين تهمهم السلطة والكسب الشخصي والولع في اللعــبة السياسية . فالخلاف إذن هـو خلاف عـلى الغــزو من قبل أغـراب وعـلى الظلم والاستبداد والتسلط والسلبطة من قبل أناس بحـق أُناس آخريـن. هكذا إذاً تصدى محمد عـلي الطاهـر لهذا الغــزو الاستيطاني الذي فرض عـنوة عـلى بلاده وشعـبه رغـم إرادتهم ودون مشاورتهم في الأمر. ولو كان قوماً آخرين غـير اليهـود الأوروبيين هم الذين أُحضروا بهذه الطريقة لقاومهم بنفس الضراوة أكانوا عـجماً أو حتى عــربا .

عــلماً بأن سـكان شـرق البحـرالأبيض المتوسط الذين تتصف حضارتهم وعاداتهم بالمشاركة قـد اسـتقبلوا خلال تاريخهم الذي يمتـد إلى آلاف السنين استقبلوا موجات متتالية من المهاجرين والمنكوبين بما فيهم يهود ومسيحيين ومسلمين من كافة الأصقاع . ودون أن نطيل بذكر تاريخ يهود اسبانيا الذين طردوا من البلاد عنوة خلال محاكم التفتيش الكاثوليكية ، هناك أيضا اللاجئين الأرمن الذين جرى توطينهم في بلاد الشام بعـد الحرب العـالمية الأولى بدون استئذان أيا كان .

غـير أن المهاجرين الأرمن اندمجوا في شعـوب المنطقة ولم يهددوا أيا كان أو يستولوا عـلى أرضه . وقد أصبح منهم فيما بعـد أغــنياء وفنانين ورجال قانون ووزراء ونواب في البرلمانات العـربية ، بل وتبنى بعـضهم القضايا الوطنية العـربية والفلسطينية دون أن يطلب منهم أحداً أن يتنازلوا عـن تراثهم ولا عـن دينهم ولا عـن هويتهم ، ودون أن يشعـروا بأن عليهم أن يستعربوا أو أن يعـتنقـوا الإسلام كي يستفـيدوا أكثر. فلو سلك المستوطنون الأوروبيون اليهـود نفس الطريق وشاركوا مع الجميع لتعـايش الكل بأمان . ولو كان ذلك قد حدث فربما أن مشكلة فلسطين واسرائيل لم تكن لتقع ، ولبقيت الأرض المقدسة فعـلا مقدسة لجميع المؤمنين .

الصفحة السابقة
الصفحة اللاحقة
 
Eltaher.org ٢٠١٧ © | اتصل بنا