محمد علي الطاهر
 

نبذة ذاتية

>

صفحة ٧١

ملحـق ٧

مفتـي فلسطين الحاج أمين الحسيني

كان الحاج أمين الحسيني (١٨٩٧ - ١٩٧٤) مفتي فلسطين ورئيس الهيئة العربية العليا ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى ديبلوماسياً رفيعاً وزعيماً سياسياً كبيراً وكأنه ملك فلسطين غير المتوج . وكان يتصرف ويتعامل مع العالم سواء في فلسطين أو في خارجها على هذا المستوى .

تميز الحاج أمين بوجه وديـع ذا بشرة فاتحة اللون وعينين زرقاوين تميل إلى الإخضرار ، وكان يربي لحية صغيرة مشذبة تعكس لون شعره المائل إلى الإحمرار . وكثيراً ما كان أبو الحسن يقول أنه لو بحث المرء عن نموذج لرسم لوحة بالألوان ليسوع المسيح لكان الحاج أمين أفضل نموذج لعمل هذا الرسم !

كان للحاج أمين في حياته أعداء بقدر ما كان له أصدقاء بين الفلسطينيين والعرب بصفة عامة . ورغم الصداقة القديمة التي ربطت بين الرجلين ، لم تخلى العلاقة بين الحاج أمين وأبو الحسن من خلاف ، بل ومقاطعة ، حول مواقف سياسية . فلما حُبس أبا الحسن عام١٩٤٩ في معتقل هاكستب في مصر كانت لديه شكوك في كون الحاج أمين وراء ذلك لأن أبا الحسن لم يكن محبذاً لسياسته حيال فلسطين خلال السنوات التي سبقت سقوط البلاد بين أيدي اليهود . كما وجّه أبو الحسن اللوم جزئيا لهذه النتيجة إلى الحاج أمين . ولم يتصالح الرجلان بعد مقاطعة طويلة إلاّ بعد سنوات عديدة قرب نهاية عمرهما . فقد توفيا في العاصمة اللبنانية بيروت خلال أربعون يوما بين الواحد والآخر ، ودفنا في قبرين لا يبعدان كثيرا عن بعضهما في نفس الجبّانة . وقد أنجب الحاج أمين ابنا واحدا اسمه صلاح وست بنات هن: أسماء وسعاد وزينب ونفيسة وأمينة وجهاد .

من المسلّم به أن الحاج أمين أدار معاركه على طريقته التي كان يعتقد أنها أفضل طريقة . ولاشك أيضاً في أنه كان سياسياً محنكاً وإن لم تكن أساليبه مقبولة من الجميع ، إلاّ أنه لم يكن هناك أي شك طوال حياته حول وطنيته المخلصة . أمضى الحاج أمين آخر أيامه في لبنان في ضاحية المنصورية الكائنة على التلال المطلة على بيـروت . كان بيته فسيحا وتحيط به حديقة ، ولكن حياته اليومية لم تتسم بالبذخ . كان عنده سائق اسمه برناوي ، وحارس لحمايته هـو وعائلته . عندما اندلعت الحرب الأهلية المؤسفة في لبنان عام ١٩٧٥ ذكـر أن إحدى المليشيات المسيحية غيـر المحددة هاجمت بيته وأضرمت فيه النيران ، كما ذكر ولكن دون أي إثبات أن الحريق دمـر مكتبته العامرة بالكتب وكافة محتويات الأرشيف الذي كان يحتفظ به .

أتبع معظم المؤلفون الإسرائيليون والصهيونيون وأولئك الذين يسيرون  في خطاهم ، خطا هجوميّاً لا يحيدون عنه ضد الحاج أمين . حيث يعيبون عليه "استخدامه للدين كسلاح سياسي" ، وهو منطق غير مقبول منهم بطبيعة الحال حيث أن المبدأ والمنطق الذي يقوم عليه خلق دولة اسرائيل هو منطق ديني من أوله لآخره .

كما لا يزال الحاج أمين موضع اتهامهم لكونه " مساندا للنازيين ومن "محبّي هتلر" حسب قولهم ، ونشروا صورا له مع الفوهرر أو مع هاينريش هيملر، قائد سرايا الدفاع (الإس إس) ، أو مع وزير الخارجية يواكيم فـون ريبنتروب وغيرهم كدليل على تعاونه مع النازيين ، مع تقديم الأسانيد الفوتوغرافية لإثبات الجريمة ، وهو أمر ليس صحيحاً بالطريقة التي يصورونها . ولكي يحافظ المرء على شيء من النظرة الشمولية التاريخية حيال تلك المسألة ، فقد لجأ الحاج أمين فعلاً إلى ألمانيا وحاول استمالتها كي تساند الفلسطينيين في محنتهم ضد الإحتلال العسكري البريطاني لبلادهم ، إضافة إلى سياستهم الرامية إلى إغراق فلسطين بمهاجرين أوروبيين من أتباع الدين اليهودي . ولكن يجب الأخذ بعين الإعتبار أن الإنجليز طاردوه للتأكد من بقاء الفلسطينيين دون قيادة ولم يتركوا له أي خيار سوى اللجوء إلى أعدائهم الإيطاليين في بادئ الأمر ثم الألمان . صحيح أن سياسته بالنسبة لألمانيا لم ترضي جميع الفلسطينيين ، إلا أنه لم يكن لديه أي خيار آخر نظراً لمطاردة الإنجليز له طوال فترة الحرب العالمية الثانية وقبلها وبعدها لأنه قاوم سياستهم الإستعمارية في فلسطين .

وتجدر الإشارة هنا إلى أنه في بداية تعاملهم مع المسؤولين البريطانيين اعتقد زعماء فلسطين أنهم يتعاملون مع "جانتلمان إنجليز" . حيث كانت مقاومة الفلسطينيين تتم بشكل حضاري عن طريق عقد اجتماعات معهم وتبادل رسائل ومذكرات وتقديم عرائض مثل "الجانتلمان" المتحضرين . غير أنهم سريعا ما اكتشفوا أن ذلك لم يتعدى المظاهـر ، حيث أن تعامل هؤلاء "الجنتلمان" معهم كان بدون ذرة من الأخلاق . وهكذا وجد الفلسطينيون أنفسم مرغمين على اللجوء إلى السلاح ضدهم بعد أن اقتنعوا بأنها اللغة الوحيدة التي يفهمونها . إن مسؤولية بريطانيا في فاجعة شعب فلسطين مسؤولية عظيمة ، ولا يزال على الإنجليز أن يصفوا هذا الحساب بسبب ما اقترفوه باستحلال أرض فلسطين ، بل وأسوء من ذلك ، بالتبرع به لأناس آخرين .

على الأغلب كان الحاج أمين على علم بما صنع الحدّاد بين النازيين واليهود في أوروبا ، إلا أنه لا هو ولا أي من العاملين معه كانت لديهم أي فكرة عن حملات الإبادة غير المقبولة التي جرت بحق اليهود والشعوب السلافية والغجر في معسكرات الإعتقال . وما قام به بكل بساطة هو اتباع منطق "عدو عدوي صديقي" . وفي المحصّلة من لم يتصرف هكذا على مدى تاريخ البشرية قديماً أو حديثاً ؟٤٨

وفي هذا الصدد كتب محمد علي الطاهـر ما يلي في كتابه "نظرات الشورى حول أهل فلسطين والنازيين في ألمانيا تحت عنوان " اليهود في ألمانيا" " :

"ذكرت وكالات الأنباء من بريسلو بألمانيا في ١٩ يونيو (حزيران) ١٩٣٢ ، أنه قد وقعت مصادمة بين اليهود وأنصار هتلـر . فبينما كان فريق من أنصار هتلر يبلغ عددهم ثلاثمائة يسيرون في الشوارع التقوا بموكب جنازة يهودي . وكان أنصار هتلر يقابلون المارة من اليهود صائحين: "أيها اليهود! اذهبوا إلى فلسطين!" . وعندما التقوا بموكب الجنازة صاحوا قائلين: "هذا واحد ذهب إلى فلسطين وسنتخلص قريبا من الباقين" . لما قرأت هذا التلغراف اسودت الدنيا في وجهي ولم يسعني إلا الإنضمام مع اليهود في الدعاء على الهـر هتلـر الزعيم الألماني بالخيبة وقصف الرقبة قبل أن يقوى هو وجماعته لئلا يقبضوا على زمام الحكم في ألمانيا.

"نعم لقد اتفقت وجهة نظري كفلسطيني عربي من جهة هتلـر مع نظرية اليهود . فنحن مع اليهود قد اتفقنا واختلفنا في وقت واحد . وهذه أول مرة في حياتي أقف فيها ضد حركة وطنية وأتمنى خيبتها وفشلها ، وإليك البيان . "أنا كفلسطيني عربي يهمني عدم وجود باعث في جهة من جهات الدنيا يبعث اليهود إلى المجيء لفلسطين . فهتلـر الوطني الألماني بمطاردته لليهود سيفلح في النهاية بطردهم أو بطرد بعضهم من ألمانيا . فهؤلاء سوف لا يجدون مقرا يستقرون فيه إلا فلسطين ، فسقوط حركة هتلر وإن كان فيه ما يضر الحركة الوطنية الألمانية إلا أن فيه حياة بلادي . ولذلك أرجو أن يسمح لي قرائي بأن أظهر بهذا المظهر من الأنانية لأن حب البقاء سليقة في الإنسان لا يمكن أن يتحول عنها . إذن فأنا برغم أنفي أدعو لليهود في ألمانيا بكل خير ، أما إن فاز هتلر واضطهد اليهود – سلمهم الله هناك فقط –فيا فنكبة فلسطين الدهماء ويا لوقعتها السوداء ، لأن جموعهم تفد عند ذلك على فلسطين كالجراد والعياذ بالله ولاسمح الله ."٤٩

الصفحة السابقة
الصفحة اللاحقة
 
Eltaher.org ٢٠١٧ © | اتصل بنا